كتب مصطفى الخضري أن اعتماد العالم الغربي على النفط العربي كان مطلقًا إلى حد جعل الولايات المتحدة تشعر بأنها تعيش تحت رحمة العرب، وبالتالي تحت رحمة الروس، وهو ما دفع دوائر صنع القرار الأمريكية في مراحل مختلفة إلى التفكير في خيارات عسكرية للسيطرة على منابع النفط في الخليج، بحسب ما يكشفه هذا الملف من تاريخ العلاقات الأمريكية الخليجية.
يكشف الخضري في تحليل نشره موقع نون بوست في هذا التقرير جانبًا قليل التداول من تاريخ العلاقة بين واشنطن ودول الخليج، خصوصًا خلال أزمة النفط عام 1973، عندما ظهرت داخل الإدارة الأمريكية خطط طارئة للسيطرة على حقول النفط في الخليج بالقوة العسكرية، بالتزامن مع إدراك حكام الخليج، ولا سيما السعودية، للحدود التي يمكن أن تصل إليها علاقتهم مع الحليف الأمريكي.
النفط العربي يعيد رسم العلاقة بين واشنطن والخليج
مع اقتراب اندلاع الحرب العالمية الثانية، بدأت تظهر مفارقة تركت أثرًا طويلًا في مستقبل المنطقة. فقد ضمن النفوذ البريطاني الكبير داخل شركات النفط في الشرق الأوسط تقاربًا واسعًا بين مصالح الحكومة البريطانية ومصالح قطاع النفط.
أما الولايات المتحدة، فلم تكن تملك حصصًا في شركات النفط، لكنها واجهت مشكلة مختلفة، إذ كانت تمتلك صناعة نفطية محلية ضخمة.
وأوجد ذلك تعارضًا بين الحكومة والمنتجين المحليين. فقد أرادت واشنطن الحفاظ على احتياطياتها النفطية، بينما رغبت شركات النفط الأمريكية في زيادة الإنتاج. ولذلك تعامل المنتجون المحليون بحذر مع مساعي الحكومة لمساعدة الشركات الكبرى على الاستثمار في حقول النفط الأجنبية، خشية أن يؤدي ارتفاع الإنتاج العالمي إلى فائض في المعروض وانخفاض الأسعار.
لكن الحرب لم تجلب الدمار وحده. فقد رأى الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت فيها فرصة لإعادة تشكيل العلاقة بين الحكومة الأمريكية ومصالح النفط الأمريكية في الخارج.
وفي يونيو 1943، وافق روزفلت على إنشاء «مؤسسة الاحتياطيات البترولية» بهدف إخضاع المصالح النفطية الأمريكية في السعودية لقدر أكبر من السيطرة الحكومية والحد من هيمنة شركات النفط على القرارات المتعلقة بموارد الطاقة في المملكة. وقدمت الإدارة الأمريكية الخطوة باعتبارها مسألة تتصل بالأمن القومي وحماية المصالح الأمريكية خلال الحرب.
وكان وزير الداخلية هارولد إيكس من أبرز المدافعين عن السياسة الجديدة، إذ رأى أن «الحكومة الفيدرالية، إذا لزم الأمر، ينبغي أن تفرض سيطرة مباشرة على جميع موارد النفط التي تملكها الشركات الأمريكية في السعودية».
وفي ظل هذه الرؤية، سعت الحكومة الأمريكية إلى شراء جميع أسهم الشركة التي تمتلك امتياز التنقيب عن النفط في السعودية، بهدف إخضاعها للسيطرة الفيدرالية. واقترحت واشنطن لاحقًا إنشاء خط أنابيب يصل الخليج العربي بالبحر المتوسط، جزئيًا لتقليص نفوذ شركات النفط الخاصة.
كما صُمم مجلس إدارة المؤسسة بما يضمن إشراف الحكومة الأمريكية بصورة مباشرة، إذ ضم وزراء الحرب والبحرية والخارجية، فيما تولى إيكس رئاسته.
لكن خطط واشنطن واجهت مقاومة شرسة من قطاع النفط الخاص وأعضاء الكونجرس، الذين وصف منتقدون منهم المقترحات بأنها «فاشية اقتصادية» واعتداء على اقتصاد السوق. وأمام هذه المعارضة، جمدت إدارة روزفلت كثيرًا من خططها الأوسع نطاقًا لوضع نفط الشرق الأوسط في قلب استراتيجية أمن قومي تقودها الحكومة.
وبدلًا من ذلك، برز ما وصفته الخبيرة الاقتصادية السابقة في البنك الدولي جيني سبولدينج بأنه «الاتفاق الذي يبقي النفط متدفقًا». وتشكل هذا الاتفاق خلال لقاء روزفلت بالملك عبدالعزيز آل سعود على متن السفينة الأمريكية «يو إس إس كوينسي»، وهو اللقاء الذي جرت مناقشته في وقت سابق. وقامت فكرته الأساسية على معادلة بسيطة: النفط مقابل الأمن.
واكتسب هذا المبدأ لاحقًا صيغة استراتيجية أكثر وضوحًا في «مبدأ كارتر» الذي أعلنه الرئيس جيمي كارتر عام 1980. ونص المبدأ على أن أي محاولة من قوة خارجية للسيطرة على الخليج ستُعد اعتداءً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة، ويمكن أن تواجه باستخدام القوة العسكرية.
وخلال الحرب العراقية الإيرانية، ساعد الوجود العسكري الأمريكي في إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا. وظهرت المنطقية نفسها خلال حرب الخليج عام 1991، عندما ساعدت القوات الأمريكية في الدفاع عن السعودية ومنشآتها النفطية، بينما قدمت الرياض دعمًا ماليًا ووقودًا.
وقد توحي هذه الوقائع بأن الولايات المتحدة ودول الخليج الملكية ارتبطت دائمًا بتطابق واضح في المصالح كلما تعلق الأمر بأمن نفط الخليج.
لكن الواقع كان أكثر تعقيدًا. فقد شهدت العلاقات مراحل ابتعدت كثيرًا عن الود، ووصل الأمر في بعض الفترات إلى دراسة واشنطن استخدام القوة العسكرية للسيطرة على حقول النفط في الخليج.
ويستعرض هذا الملف هذه الصفحة قليلة التداول من العلاقات الأمريكية الخليجية. فبينما ركزت التغطية التاريخية لأزمة النفط عام 1973، التي اندلعت عقب الحرب العربية الإسرائيلية، بدرجة كبيرة على تداعياتها الاقتصادية، حظيت التطورات السياسية التي شهدتها العلاقة بين واشنطن وحلفائها الخليجيين خلال الأزمة باهتمام أقل، رغم أنها كشفت خططًا أمريكية طارئة للسيطرة على نفط الخليج، كما أظهرت الحدود التي كان حكام الخليج، خصوصًا السعودية، مستعدين لوضعها أمام علاقتهم بحماتهم الأمريكيين.
من حظر النفط إلى خطط احتلال الخليج
بعد انقلاب عام 1953 على محمد مصدق، بدأت العلاقة بين الدول المنتجة للنفط وشركات النفط الغربية تتغير. وظهرت تدريجيًا صيغة جديدة في أنحاء الشرق الأوسط منحت الحكومات حصة متزايدة من الإنتاج والعائدات النفطية.
وبحلول أوائل سبعينيات القرن الماضي، كانت السعودية تتفاوض مع شركات النفط الأمريكية العاملة في المملكة بشأن إعادة توزيع ملكية الموارد النفطية.
واختارت الرياض توقيت مفاوضاتها بعناية. ففي عام 1972، كان البيت الأبيض منشغلًا بحملة إعادة انتخاب الرئيس ريتشارد نيكسون، ما منح السعوديين مساحة أكبر للضغط من أجل تحقيق مطالبهم.
ومع تصاعد الضغط السعودي، انتهت المفاوضات بموافقة «أرامكو» على مشاركة الحكومة السعودية في ملكية الشركة. وبموجب الاتفاق، استحوذت الحكومة السعودية على حصة أولية قدرها 25% عام 1973، على أن ترتفع حصة المملكة إلى 51% بحلول عام 1982، في تأكيد على تنامي نفوذ السعودية على مواردها النفطية.
وشكل ذلك انتصارًا مهمًا للملك فيصل، إلا أن وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر انتقد المفاوضين الأمريكيين علنًا. ويروي أندرو سكوت كوبر في كتابه ملوك النفط أن كيسنجر رأى في قبول الشروط السعودية خطرًا يتمثل في تحويل شركات النفط الأمريكية إلى أدوات في أيدي حكومات قد لا تتطابق مصالحها دائمًا مع مصالح الولايات المتحدة.
لكن محادثة خاصة مع جون كونالي تكشف موقفًا أكثر تعقيدًا. فقد قال كيسنجر لكونالي إنه حث الأمير سعود على تجنب نهج يقوم على المصادرة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن «من غير مصلحتنا أن نفرض عليهم تسوية تضعهم في وضع أسوأ من الدول الأخرى، لأننا نهتم باستقرارهم».
وكانت الرسالة التي وصلت إلى الملك فيصل واضحة: أدركت إدارة نيكسون رغبة السعودية في الحصول على حصة أكبر من ثروتها النفطية، في إشارة إلى تحول في موازين القوى الإقليمية، وتأكيد للأهمية الاستراتيجية التي يمثلها النفط السعودي بالنسبة إلى المصالح الأمريكية.
ورغم أن كيسنجر ربما سعى إلى التقليل من الأهمية الفورية للاتفاق، فإن التأثير طويل الأمد لحظر النفط عام 1973 على السياسة الخارجية الأمريكية ظهر بوضوح، بعدما تحول النفط إلى أداة رئيسية للضغط السياسي العربي، وأعاد تشكيل الاستراتيجيات الأمريكية اللاحقة في الشرق الأوسط.
غرفة الخرائط واستعادة النفوذ الأمريكي
في مطلع عام 2004، كشفت وثائق كانت مصنفة سرية سابقًا، وأفرج عنها بموجب قاعدة الثلاثين عامًا، تفاصيل جديدة حول كيفية تقييم واشنطن لخياراتها خلال أزمة النفط عام 1973.
وقدّر تقرير للجنة الاستخبارات المشتركة البريطانية أن إدارة نيكسون قد تلجأ، إذا تصاعدت الأزمة، إلى خطوة بالغة الخطورة تتمثل في احتلال حقول النفط في دول الخليج العربية.
ورأت اللجنة أن الولايات المتحدة تستطيع تأمين كميات كافية من النفط لنفسها ولحلفائها عبر الاستيلاء على الحقول النفطية في السعودية والكويت وأبوظبي، التي كانت احتياطياتها مجتمعة تقدر بأكثر من 28 مليار طن.
وفي ذلك الوقت، كان المسؤولون السعوديون يدركون بصورة متزايدة قوة حظر النفط كسلاح سياسي، وهي أهمية كان كيسنجر قد قلل منها قبل اندلاع حرب 1973 بفترة قصيرة.
وفي نوفمبر، قال وزير النفط السعودي أحمد زكي يماني: «نحن نتابع كل برميل نفط يصل إلى الولايات المتحدة».
وكانت الأجواء في واشنطن تزداد توترًا. فقد رأى بعض مسؤولي وزارة الدفاع أن استعراض القوة أصبح ضروريًا لاستعادة النفوذ الأمريكي في الخليج، وسط مخاوف من فقدان واشنطن تأثيرها في السياسات الإقليمية.
كما حضر الاتحاد السوفيتي بقوة في الحسابات العسكرية الأمريكية. فقد رأى صقور البنتاجون أن الزعيم السوفيتي ليونيد بريجنيف ما كان ليهدد بإرسال قوات الجيش الأحمر إلى الشرق الأوسط لو حافظت الولايات المتحدة على وجود عسكري أقوى في المنطقة.
وخلص هؤلاء إلى أن واشنطن بحاجة إلى إظهار قوتها في الشرق الأوسط وإيجاد وسيلة لكسر حظر النفط.
وفي هذا السياق، اجتمع كبار صناع القرار في غرفة الخرائط بالبيت الأبيض صباح الثالث من نوفمبر لمناقشة الوضع في السعودية.
كانت الرياض قد فرضت حظرًا نفطيًا على الولايات المتحدة، ما هدد إمدادات القوات الجوية والبحرية الأمريكية. كما هددت السعودية بإعادة النظر في الاتفاق الذي وقعته مع «أرامكو» في العام السابق، والذي استحوذت بموجبه على حصة قدرها 25% من الشركة، والاتجاه نحو التأميم الكامل.
وحضر الاجتماع هنري كيسنجر ووزير الدفاع جيمس شليزنجر ومدير وكالة الاستخبارات المركزية ويليام كولبي ومسؤولون كبار آخرون.
وافتتح شليزنجر النقاش بعبارة حادة، قائلًا إن السعوديين «مأخوذون جدًا بقوة النفط»، وإنه غير متأكد من أن لديهم مستقبلًا خارج الغرب، مضيفًا أنهم «لا يستطيعون التهديد بإحراق الغرب».
وأراد شليزنجر إرسال تحذير قوي إلى الرياض. ورأى أن الأزمة تمثل أيضًا فرصة لإعادة تأكيد القوة الأمريكية في الشرق الأوسط وتذكير دول الخليج بعواقب تحدي واشنطن.
أبوظبي وخيار التدخل العسكري
بدت إمارة أبوظبي فرصة مناسبة لتنفيذ هذا الهدف. فقبل 15 عامًا فقط، كانت أبوظبي مستوطنة صغيرة تعتمد على صيد الأسماك، لكنها بحلول عام 1973 تحولت إلى إمارة نفطية سريعة التطور، يبلغ عدد سكانها نحو 30 ألف نسمة، كما شاركت في حظر النفط العربي.
واكتسب موقع أبوظبي أهمية استراتيجية، إذ كان يمكن أن توفر نقطة انطلاق محتملة للعمليات العسكرية الأمريكية في الخليج.
وبحسب التقارير، قال شليزنجر بوضوح: «أبوظبي ستمنحنا ما نريد».
وكان يتصور عملية محدودة ومحسوبة، تنزل خلالها القوات الأمريكية في قلب دولة عربية نفطية لتوجيه رسالة تحذير بشأن عواقب سياسات دول الخليج.
وبحسب كوبر، ظل هذا الخيار قيد الدراسة، ما أثار قلق السعودية ودول الخليج الأخرى.
ورأى المسؤولون الأمريكيون الأيام العشرة الأخيرة من نوفمبر نافذة محتملة للتدخل. وبحلول ذلك الوقت، كان من المتوقع أن تتمركز عدة مدمرات أمريكية عند مدخل الخليج العربي للمشاركة في مناورات بحرية مقررة مسبقًا.
كما كانت حاملة الطائرات «يو إس إس هانكوك»، التي تحمل أكثر من 80 طائرة هجومية، تتجه نحو المنطقة.
وفي الوقت نفسه، كان كيسنجر يستعد لرحلات إلى الشرق الأوسط والصين، وكان يشعر بالقلق من احتمال تدخل سوفيتي.
وعندما سُئل شليزنجر عما ستفعله واشنطن في حال حدوث مثل هذا السيناريو، أجاب بأن الولايات المتحدة ستطلق يد إسرائيل ضد الجيش الثالث المصري، وستبلغ أنور السادات بأن إطلاقه يد السوفييت سيكون كارثيًا بالنسبة إليه.
كما لعبت إيران دورًا محتملًا في الحسابات الأمريكية. فقد أبلغ شاه إيران السفير الأمريكي استعداد البحرية الإيرانية للمشاركة في الغزو، وعرض الموانئ والمطارات ومستودعات الوقود الإيرانية لاستخدامها في تقديم الدعم اللوجستي للجيش الأمريكي.
لكن طهران كانت لديها مخاوفها الخاصة. فقد خشي الشاه انتهاك معاهدة عام 1962 مع موسكو، التي كانت تقيد استخدام الأراضي الإيرانية قاعدةً لقوة أجنبية تنشئ عليها منشآت لإطلاق الصواريخ. ولذلك جاء دعمه حذرًا.
وفي جميع الأحوال، كانت الأزمة تتحرك سريعًا نحو حل مختلف. ففي الثامن من نوفمبر، توجه كيسنجر إلى الرياض والتقى الملك فيصل في جلسة استمرت أكثر من ثلاث ساعات.
اجتماع واحد وروايات متعددة
انعقد اللقاء وسط تصاعد التوتر. فقد كان فيصل يعرف أن قوة بحرية أمريكية تتمركز قبالة السواحل، وأن واشنطن تمتلك القدرة العسكرية على ضرب المملكة وربما تهديد بقية الملكيات الخليجية.
وكان وجود «يو إس إس هانكوك» تذكيرًا باختلال موازين القوة الذي يحكم العلاقة.
وفي رواية أليكسي فاسيلييف في كتابه الملك فيصل: شخصيته وإيمانه وعصره، اتخذ كيسنجر خلال اللقاء نبرة تصالحية، وقال لفيصل إنه قرأ مراسلاته مع الرؤساء جون كينيدي وليندون جونسون ونيكسون، ويدرك خيبة أمله من السياسة الأمريكية في المنطقة.
وأبلغ كيسنجر الملك أن لديه الحق في الشعور بالاستياء، واقترح إمكانية التوصل إلى تسوية. ثم سأله عما إذا كان يؤيد عقد مؤتمر للسلام، فأجاب فيصل بالإيجاب.
بعد ذلك، سأله كيسنجر عما إذا كان يؤيد رفع حظر النفط، بحجة أن استمرار الحظر بدأ يلحق ضررًا سياسيًا متزايدًا بالولايات المتحدة، وأنه يغذي المشاعر المعادية للعرب ويجعل من الصعب على واشنطن الضغط على إسرائيل للانسحاب تدريجيًا من الأراضي المحتلة.
وبحسب إحدى روايات اللقاء التي نقلها فاسيلييف، أنهى كيسنجر الاجتماع بسؤال فيصل عما إذا كان الحظر سيستمر طالما بقيت القدس تحت الاحتلال. ولم يجب الملك.
لكن رواية أخرى وردت في كتاب كوبر. ففي هذه الرواية، التي نقلها كيسنجر لاحقًا إلى زملائه، ألمح فيصل إلى استعداده للتوصل إلى اتفاق ينهي الحظر.
وخلال حديث ودي، قال فيصل، بحسب الرواية: «يمكنك إجبار إسرائيل على الانسحاب فورًا خلال ثلاثة أسابيع. ألا يمكنك مساعدتي؟ ألا يمكنك أن تعطيني القدس؟»
ورد كيسنجر: «أعطنا الوقت، وسنفعل ذلك».
وفي 19 نوفمبر، يوم بدء المناورات البحرية الأمريكية في الخليج، أرسل البيت الأبيض إشارة طمأنة إلى فيصل، معلنًا أن الولايات المتحدة «قررت، في الوقت الراهن، عدم الانتقام من الدول العربية».
«انتحار للعالم المتقدم»
بعد يومين، ظهر كيسنجر في مؤتمر صحفي، وأوضح أن الخيار العسكري لم يختفِ. وقال إن الإدارة قد تدرس اتخاذ إجراءات مضادة إذا استمر الضغط الاقتصادي «بصورة غير معقولة وإلى أجل غير مسمى».
وأضاف أن واشنطن لن تقبل ممارسة ضغط اقتصادي عليها بالتزامن مع محاولة التفاوض على اتفاق سلام في الشرق الأوسط.
وجاء الرد السعودي لافتًا. فقد حذر وزير النفط أحمد زكي يماني من أن السعودية قد تتبنى سياسة الأرض المحروقة، وقال إن المملكة ستخفض إنتاجها بنسبة 80% إذا اتخذت القوى الغربية إجراءات لكسر الحصار، مضيفًا أن أي عمل عسكري قد يكون «انتحارًا للعالم المتقدم»، لأن الاقتصاد العالمي قد ينهار بصورة مفاجئة، فضلًا عن استعداد المملكة لتفجير بعض المنشآت الحساسة في حقول النفط السعودية.
ولم تقتصر التهديدات على التصريحات. فقد بدأت الدول العربية المنتجة للنفط تجهيز منشآتها تحسبًا لاحتمال التدخل الأمريكي، بما في ذلك إعداد خطط لتخريب أو تدمير المنشآت الحيوية.
وأحاطت الكويت بعض حقولها النفطية بالألغام.
لكن خلف التصعيد العلني، كانت عملية أخرى تجري في الخفاء. فقد أصبح فيصل أكثر ميلًا إلى تجنب مواجهة مع الولايات المتحدة، أقوى حلفاء السعودية.
وفي صباح 28 نوفمبر، اتصل كيسنجر بشليزنجر ونقل إليه رسالة وصفها بأنها مثيرة للاهتمام من الرياض: أراد فيصل تخفيف الحظر واستكشاف إمكانية التوصل سريعًا إلى اتفاق بشأن عقد مؤتمر للسلام.
ورحب شليزنجر بالخبر. فقد خلص إلى أن إعداد قوة غزو موثوقة سيحتاج إلى ستة أسابيع أخرى.
وبدا أن مزيج الضغط الدبلوماسي والاستعداد العسكري بدأ يؤتي ثماره. وبينما كان كيسنجر يبحث عن مخرج دبلوماسي، كان شليزنجر يستعد لاحتمال اللجوء إلى العمل العسكري إذا فشلت المفاوضات.
وبدأ نوفمبر باجتماع غرفة الخرائط، لكنه انتهى في 29 نوفمبر بإبلاغ كيسنجر زملاءه بأن «الملك فيصل صديق لنا، لكنه يتعرض لضغوط من المتطرفين، ولذلك فهو يتجاوزهم من الجناح الآخر حتى لا يحرج نفسه بشأن علاقته بالولايات المتحدة، ولدي انطباع بأن السعوديين يتراجعون».
وبحلول ذلك الوقت، كان مدير وكالة الاستخبارات المركزية ويليام كولبي قد علم أن السعوديين أصدروا تعليمات سرية إلى «أرامكو» بزيادة الإنتاج، وأنهم مستعدون لتقديم شحنات وقود سرية إلى البحرية الأمريكية كبادرة حسن نية.
وعلق كيسنجر: «يبدو أنهم يبحثون عن مخرج».
وكان محقًا. ففي مارس 1974 انتهى حظر النفط المفروض على الولايات المتحدة.
استسلام فيصل: واقعية سياسية أم تواطؤ؟
يروي جيفري روبنسون في كتابه يماني: القصة من الداخل محادثة مع جيمس أكينز، السفير الأمريكي السابق لدى السعودية.
وكان أكينز، الذي وُصف أحيانًا بسخرية بأنه «عربي متطرف»، يعتقد منذ فترة طويلة أنه أكثر ملاءمة من كيسنجر للوساطة في الصراع العربي الإسرائيلي.
وركز حديثهما على سمعة كيسنجر في السعودية بعد حرب 1973 وخلال حظر النفط. وقال أكينز إن السعوديين كانوا يعتبرون كيسنجر «محتالًا بارعًا»، وإنهم إذا أخبرهم بأن الشمس ستشرق من الشرق في اليوم التالي، فسيقولون له: حسنًا، سننتظر ونتأكد أولًا.
وكان فيصل يشك أصلًا في كيسنجر. فما الذي دفعه إذًا إلى التراجع؟
بحسب رواية فاسيلييف، كان لدى الملك السعودي اعتقاد آخر، مفاده أن الولايات المتحدة منخرطة بعمق في الشرق الأوسط، وأنها، على عكس الاتحاد السوفيتي، لا يحكمها نظام شيوعي ملحد.
ولذلك رأى فيصل أن نيكسون هو الزعيم الأكثر قدرة على التفاوض بشأن تسوية للصراع العربي الإسرائيلي.
وكان على واشنطن والرياض إدارة المواجهة في إطار هذه الحسابات الأوسع. ولخص أكينز لاحقًا موقف فيصل بقوله: «كان أكثر حرصًا على مصالحنا مما كنا عليه».
لكن القدس بقيت في النهاية تحت السيطرة الإسرائيلية، ولم تعد إسرائيل إلى حدود ما قبل عام 1967. وعندما اغتيل فيصل في مارس 1975، لم يعش ليرى التسوية السياسية التي كان يأملها.
أما النفط، فاستمر في التدفق عبر خطوط أنابيب «أرامكو». لكن أزمة النفط لم تختفِ، بل دخلت مرحلة جديدة.
«شياطين على ظهور الجمال» ومستقبل أوبك
بالنسبة إلى كثيرين في واشنطن، كانت رسالة أزمة النفط عام 1973 واضحة: لا يمكن السماح لدول الخليج العربية بممارسة سيطرة غير مقيدة على إمدادات النفط العالمية.
وتزايدت الدعوات إلى التدخل العسكري. وانتهى الحظر، لكن أعضاء منظمة أوبك واصلوا العمل بصورة جماعية لرفع الأسعار والاستحواذ على إيرادات أكبر، بينما واجه الأمريكيون طوابير طويلة أمام محطات الوقود.
«يجب أن نؤدب أولئك الشياطين على ظهور الجمال».
وردت هذه العبارة في كتاب فاسيلييف بوصفها كلمات نُسبت إلى قائد عسكري أمريكي، في وقت كانت السعودية تراقب بقلق سياساتها النفطية، إلى جانب سياسات أوبك، وهي تضغط بصورة متزايدة على الاقتصادات الغربية.
وبالنسبة إلى الرياض، كان هناك حد لم تكن تريد تجاوزه. وكانت المعادلة بسيطة: قد تلجأ الحكومات اليائسة إلى إجراءات يائسة ومدمرة.
وبحلول عام 1975، بدا أن بعض المسؤولين في واشنطن مستعدون لاختبار هذا الحد. ففي يناير من ذلك العام، نشرت مجلة كومنتاري مقالًا للأستاذ روبرت تاكر بعنوان «النفط: مسألة التدخل الأمريكي»، دعا فيه الولايات المتحدة إلى الاستيلاء عسكريًا على ساحل الخليج العربي، الذي كان ينتج في ذلك الوقت نحو 40% من إنتاج أوبك.
وحظيت دعوة تاكر باهتمام كبير في واشنطن، خصوصًا في ظل تصريحات كيسنجر الغامضة بشأن إمكانية استخدام القوة بدلًا من الوقوف مكتوفي الأيدي أمام الضغوط الاقتصادية.
لكن المقال الذي أثار أكبر قدر من القلق في السعودية ظهر في مجلة هاربرز. وكان تحقيقًا طويلًا واستفزازيًا بعنوان «الاستيلاء على النفط العربي»، كتبه مؤلف استخدم الاسم المستعار «مايلز إغنوتوس»، وهو تعبير لاتيني يعني «الجندي المجهول».
ونُسب المقال أحيانًا إلى كيسنجر نفسه، لكن هذا الإسناد ظل محل خلاف.
وبحسب كوبر، دفع نشر المقال العائلة المالكة السعودية إلى عقد اجتماع، ثم إرسال رسالة إلى الرئيس جيرالد فورد بالتعاون مع الملك حسين ملك الأردن، طالبوا فيها بمنع تصاعد الدعوات إلى التدخل العسكري.
ودعا «الجندي المجهول» في المقال إلى احتلال المناطق الشرقية الغنية بالنفط في السعودية لمدة عشر سنوات، معتبرًا أن الولايات المتحدة تستطيع الاستيلاء على نفط الخليج بقوة لا تتجاوز 40 ألف جندي.
وإذا كانت إيران القوة الوحيدة في الخليج القادرة على عرقلة مثل هذا الغزو، فقد اقترح الكاتب شراء صمت الشاه عبر منحه الكويت، وهي صفقة، بحسب تصوره، سيكون ممتنًا لها.
وبالتزامن مع مقالات ونقاشات أخرى طرحت أفكارًا مشابهة، بدا أن الحملة منسقة في نظر السفير أكينز.
فقد رأى أنه من الصعب تصديق أن أكثر من ثمانية أشخاص توصلوا بصورة مستقلة إلى الاقتراح الغريب نفسه في التوقيت ذاته تقريبًا.
وقال أكينز في مقابلة تلفزيونية إن أي شخص يقترح مثل هذه العملية إما مجنون أو مجرم أو عميل للاتحاد السوفيتي. وأُقيل لاحقًا من منصبه، وظل حتى وفاته مقتنعًا بأن هنري كيسنجر هو من دبر الحملة.
لكن الحملة تراجعت في نهاية المطاف، بعدما ظهرت تقارير تشير إلى أن العمليات العسكرية للاستيلاء على الحقول النفطية ستلحق أضرارًا واسعة بالبنية التحتية، ولن تحقق فائدة اقتصادية كبيرة.
ويرى أليكسي فاسيلييف في كتابه نفط الخليج والقضية العربية أنه رغم تزايد حجم التهديدات، بدا أن أنصار الشراكة والتعامل المتبادل سيفرضون في النهاية رؤيتهم على النهج الأمريكي تجاه الخليج.
وبحسب هذه القراءة، كانت هذه المقترحات بمثابة «بالونات اختبار» لقياس مدى إمكانية دفع أسوأ السيناريوهات في العلاقة بين الطرفين.
وكانت كلمات جورج بول، وكيل وزارة الخارجية الأمريكية السابق، أكثر وزنًا من أي مقال صحفي. فقد قال: «لقد مضى عصر التهديدات وانتهى. لا يستطيع أي شخص يفهم الحقائق الاستراتيجية الراهنة أن يأخذ بجدية فكرة مغامرة عسكرية للاستيلاء على المناطق المنتجة للنفط. تلك أوهام عفا عليها الزمن».
وأضاف أن وجود روسيا في حوض البحر المتوسط أخرج هذه المسألة من جدول الأعمال، داعيًا إلى مواجهة الحقائق، ومعتبرًا أن القوى الكبرى لا تطلق التهديدات ما لم تكن مستعدة فعلًا لتنفيذها.
صراع أوبك والتحول في مستقبل الخليج
كشفت أزمة النفط عام 1977 بصورة أوضح طبيعة العلاقة التي ستتشكل لاحقًا بين الولايات المتحدة والسعودية.
فمع هدوء الجبهة العربية الإسرائيلية وظهور نية أنور السادات زيارة القدس، بدت واشنطن والرياض قادرتين على التوصل إلى صيغة جديدة للعلاقة بينهما.
وفي ذلك العام، دخل سوق النفط في حالة اضطراب بسبب انقسام أعضاء أوبك بشأن الأسعار المقترحة للعام التالي.
واقترح الشاه زيادة الأسعار بنسبة 15%، بينما عارض الملك خالد الزيادة بناءً على طلب أمريكي، معتبرًا أن رفع أسعار النفط غير مبرر في ظل دخول الاقتصادات الغربية مرحلة ركود.
حتى وزير النفط السعودي أحمد زكي يماني قال لصحيفة دير شبيجل الألمانية: «نشعر بالقلق إزاء الوضع الاقتصادي في الغرب، والاحتمال القائم لحدوث ركود اقتصادي جديد، كما نشعر بالقلق بشأن أوضاع بريطانيا وإيطاليا وفرنسا بسبب خطر الشيوعية».
ويرى أندرو كوبر في كتابه أن هذا الموقف عكس تأثير كيسنجر خلف الكواليس.
وخرج الشاه من الخلاف معتقدًا أنه حقق الانتصار بعدما أقنع بقية أعضاء أوبك بإقرار زيادة من رقمين في أسعار النفط عام 1977.
لكن الرد السعودي جاء سريعًا. فقد أعلنت الرياض اتخاذ إجراءات حازمة لمعارضة نظام التسعير الذي اقترحته إيران.
وبعد انسحابه من مؤتمر الدوحة، سأل يماني: «هل من العدل أن تجتمع دول أوبك وتقرر سعر النفط السعودي؟ هل من العدل أن يقرر الآخرون ما نريده لأنفسنا؟»
ثم اختارت السعودية تحدي إيران عبر زيادة الإنتاج. فضخت كميات أكبر من النفط الخام في السوق وباعته بسعر أقل من أسعار منافسيها.
ونفذت الرياض الخطوة سريعًا، ما حرم إيران مليارات الدولارات من الإيرادات النفطية المتوقعة. وزاد الضغط المالي من المشكلات التي كانت تواجه حكومة الشاه، التي اضطرت لاحقًا إلى طلب قرض قصير الأجل من بنوك أجنبية واتباع إجراءات تقشفية.
وامتدت تداعيات الخلاف إلى ما هو أبعد من سوق النفط. فقد سعت الولايات المتحدة والسعودية إلى احتواء نفوذ القوى الراديكالية في إيران، لكن جهودهما لإدارة الخلاف النفطي أسهمت أيضًا في تصاعد التوتر بين الرياض وطهران.
وخلال عامين، أُطيح بالشاه، وعاد آية الله روح الله الخميني إلى إيران، ليؤسس نظامًا ثوريًا أعاد تشكيل ميزان القوى الإقليمي.
وهكذا دخل خلاف النفط عام 1977 ضمن نمط أوسع تداخلت فيه مصالح سوق النفط مع الحسابات الاستراتيجية لواشنطن وحلفائها الإقليميين.
وأعاد الزلزال الجيوسياسي الذي أعقب الثورة الإيرانية تشكيل النهج الأمريكي تجاه أمن الخليج. وظهر أحد أوضح تجليات ذلك في «مبدأ كارتر»، الذي حوّل منطق خطط الاحتلال الطارئة التي نوقشت عام 1973 إلى إعلان رسمي عن استعداد الولايات المتحدة لاستخدام القوة للدفاع عن مصالحها في الخليج.
وفي مطلع عام 1980، أعلن الرئيس الأمريكي جيمي كارتر أن أي محاولة من قوة خارجية للسيطرة على الخليج ستُعد اعتداءً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة، وأن واشنطن ستواجهها «بأي وسيلة ضرورية»، بما في ذلك القوة العسكرية.
وظهرت تداعيات هذا المبدأ بصورة متزايدة خلال العقود التالية، مع الحروب واتساع شبكة القواعد العسكرية الأمريكية التي أعادت تشكيل المشهد الاستراتيجي حول الخليج، تحت عنوان معلن يتمثل في ردع التهديدات التي تواجه أمن المنطقة وحماية تدفق النفط.
https://www.noonpost.com/en/384545/

